مصطفى صادق الرافعي

176

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

اللغة عنده على سعتها ، حتى ليس فيها لمعانيه غير ألفاظه بأعيانها وتركيبها ، ومتى كانت المعارضة والترجمة سواء إلا في المعجز الذي يساوي بين القوى في المعجز وهي بعد في ذات بينها مختلفات ؟ . فصل غرابة أوضاعه التركيبية وهاهنا أمر دقيق لا بد لنا من طلب وجهه ، لأنه شطر الإعجاز في القرآن الكريم ، وسائر ما قدمناه شطر مثله ؛ وذلك أنك حين تنظر في تركيبه لا ترى كيفما أخذت عينك منه إلا وضعا غريبا في تأليف الكلمات ، وفي مساق العبارة ، وبحيث تبادرك غرابته من نفسها وطابعها بما تقطع أن هذا الوضع وهذا التركيب ليس في طبع الإنسان ، ولا يمكن أن يتهيأ له ابتداء واختراعا دون تقديره على وضع يشبهه ، أو احتذاء لبعض أمثلة تقابله ، لا تحتاج في ذلك إلى اعتبار ولا مقايسة ، وليس إلا أن تنظر فتعلم « 1 » . ولو ذهبت تفلي كلام العرب من شعر شعرائهم ورجز رجّازهم وخطب خطبائهم وحكمة حكمائهم وسجع كهّانهم ، من مضى منهم ومن غبر على أن تجد ألفاظا في غرابة تركيبها ( التي هي صفة الوحي ) كألفاظ القرآن ، وعلى أن ترى لها معاني كهذه المعاني الإلهية التي تكسب الكلام غرابة أخرى يحسّ بها طبع المخلوق ويعتريه لها من الروعة ما يعتري من الفرق بين شيء إلهي وشيء إنساني - لما أصبت في كل ذلك مما تختاره إلا لغة وأوضاعا ومعاني إنسانية ، تقع بجملتها دون قصدك الذي أردت ، ولا ترضاها للتمثيل والمقابلة ، ولا تراها تحل مع القرآن إلا في محل نافر ولا تنزل منه إلا في قاصية شاردة ؛ ثم لوجدت فرق الغرابة الإلهية بين اثنينهما في الكلام عين ما تعرفه من الفرق بين الماء في سحابه ، والماء في ترابه . وما من بليغ يتدبر هذه الأوضاع في القرآن ؛ ثم تحدثه النفس أن خاطرا إنسانيا يتشوّف إلى مثلها ، أو يصل بها سببا من أسباب المطمعة ، أو يظن أنه قادر عليها ، إذ يرى غرابة الوضع في تركيب الألفاظ أشبه شيء بالتوقيف الإلهي في وضع الألفاظ نفسها لو كان وضعها ابتداء واختراعا في اللغة وكان ذلك في زمنه ( أي البليغ ) أو بعين منه بحيث تظهر له غرابة الوضع اللغوي خالصة جديدة ، لا شوب فيها مما يألفه السمع أو تمكّنه العادة ، أو نحو ذلك مما يجعل الغريب مأنوسا ، أو يأخذ من غرابته أو يصقل بعض جهاتها . فيظهر الأمر الغريب وكأنه غير ما هو في نفسه .

--> ( 1 ) في هذا المعنى كلام سيأتي في موضعه من البلاغة النبوية .